الغزالي

141

إحياء علوم الدين

[ 1 ] « عليكم بدين العجائز » وهو تلقى أصل الإيمان وظاهر الاعتقاد بطريق التقليد ، والاشتغال بأعمال الخير . فإن الخطر في العدول عن ذلك كثير . ولذلك قيل يجب على الشيخ أن يتفرس في المريد فإن لم يكن ذكيا فطنا ، متمكنا من اعتقاد الظاهر ، لم يشغله بالذكر والفكر ، بل يرده إلى الأعمال الظاهرة ، والأوراد المتواترة . أو يشغله بخدمة المتجردين للفكر ، لتشمله بركتهم . فإن العاجز عن الجهاد في صف القتال ينبغي أن يسقى القوم ، ويتعهد دوابهم ، ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمه بركتهم ، وإن كان لا يبلغ درجتهم ثم المريد المتجرد للذكر والفكر ، قد يقطعه قواطع كثيرة ، من العجب والرياء والفرح بما ينكشف له من الأحوال ، وما يبدو من أوائل الكرامات . ومهما التفت إلى شيء من ذلك ، وشغلت به نفسه ، كان ذلك فتورا في طريقه ووقوفا . بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ، ملازمة العطشان الذي لا ترويه البحار ولو أفيضت عليه . ويدوم على ذلك ، ورأس ما له الانقطاع عن الخلق إلى الحق والخلوة . قال بعض السياحين ، قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق ، كيف الطريق إلى التحقيق ؟ فقال أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق . وقال مرة ، قلت له دلني على عمل أجد قلبي فيه مع الله تعالى على الدوام . فقال لي لا تنظر إلى الخلق ، فإن النظر إليهم ظلمة . قلت لا بد لي من ذلك ، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة . قلت لا بد لي من ذلك . قال فلا تعاملهم ، فإن معاملتهم وحشة ، قلت أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم . قال فلا تسكن إليهم ، فإن السكون إليهم هلكة . قلت هذا لعلة . قال يا هذا ، أتنظر إلى الغافلين ، وتسمع كلام الجاهلين ، وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله تعالى على الدوام ! هذا ما لا يكون أبدا فإذا : منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله تعالى على الدوام . ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره . ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة . فإذا حصل قلبه مع الله تعالى ، انكشف